منارات

الدين في سبيل الحياة وليست الحياة في سبيل الدين

المنطق  الرباني يقول ان كل حركة مهما كانت صغيرة أو كبيرة وأينما تكون فهي من الله وانها تحمل معنى حياتي يريد ان يبينه لعباده فهو ربهم ، الا ان الكثيرين منهم قد غفل عن هذا المعنى فاصبح بالنسبة لهم قصصا وموروثا وغاب عنهم دوره التربوي هذا وانحصر فهمهم له بالموروث المبني على النقل دون العقل وعلى الرواية دون الدراية فجائت النتائج ظنية وتحول الدين من منهج تربوي ملموس في سبيل الحياة الى مجموعة شعائر موروثة وطقوس مقدسة وصلتنا دون دلالاتها التربوية التي تتناسب في زمنها مع الغاية التي خلق من اجلها الخلق وشرع في سبيلها الدين والتي لم تترك للاهواء في حينها بل اردفت بمن تجسدت فيه تلك المعاني وظهرت عليه علامات الانتفاع العملي منها فكان بذلك شاهدا على الغاية التي شرع في سبيلها الدين وهم المثالين بين اقوامهم من انبياء واولياء ورسل وصديقين ومؤمنين .

ان من يقف على الحقيقة التي مفادها ان معنى الله هو الحياة المثالية الحقة وانه بذلك غني عن كل ما سواه ، يختلف بدينه ومضمون شعائره عمن يرفع شعائر الدين بقصد الاطعام له وارزاقه، فهذا بعيد كل البعد عن فهم هذه الحقيقة والانتماء لها والانتظام بها لذلك لن يكون بدينه الا داعيا لغير هذه الحقيقة واستمراره بالعمل بقصده هذا يزيده بعدا عنها ويجعل منه داعيا لخلافها لانه مظهرا لغيرها ومن هؤلاء من نراه يدعو لطائفته او ملته او لحزبه دون الحقيقة التي ذكرناها اي دون الدعوة الى الحياة بصفتها المثالية الغائية التي يطمئن معها الانسان على نفسه من انه اصبح جزء لا يتجزء من الحياة سمعه في سبيلها كذلك نظره وكل حواسه وعملها فيها مظهرا لها ودليلا عليها دون ظن بها او وهم .

ان من يتعامل مع الحياة على انها شعائر تحمل معاني تنقضي الى اجل فتراه يغادر شعائرها لحظة انقضاء شهوته فيها مع الاعتبار بعدم انحصار الشهوة بالجنس بل تمتد لتصل حد شهوة العقل التي نرى الانسان في الغرب يتلذذ بها باختراعاته العلمية ولاعيب في ذلك من حيث المبدء بل العيب كل العيب ان تقف العقول عند معطياتها التي لاتسموا بصاحبها الى مس المعاني الامثل للحياة والتي تكشف له الحجب عن عالم الماورائيات رغم تحفظي على التوصيف ، ان هذا وفريق اخر هم  وهم من جعل من الماضي دينا له دون الوقوف على المضامين الحياتية التي وقف عليها اصحابه في حينها وليس له ذلك الا عبر ذات الوسائل التي توسلها الماضين لبلوغ مبلغهم ذاك ، ان كلا هذين الفريقين يمثلان خطرا على الحياة رغم التفاوت في درجته بين الفريق الاول الذي ورغم قصور الغاية التي ينشدها الا انه يعتد العقل والمنطق في طريق بلوغها وبين الفريق الاخر الذي اغفل العقل والمنطق وغيب الحس فيما يدعي ونسب غاياته الى عالم اخر فجعل مما يدعي الانتماء اليه عالما ظنيا مجهولا غير قابل للتحقيق والتحقق وهذا خطره اكبر وهو من خرج ببعلبم فنون الارهاي والانحرافات والظلم والفساد على مر العصور .

 ان اصحاب  الفريق الثاني بفهمهم الخاطئ لسير السابقين حرموا انفسهم طرق ذات الباب الذي طرقه من يدعون ولايتهم والانتماء اليهم وهو باب فطرة الانسان بل وكل مخلوق واستجابة ربه ، هذا الباب الذي طرقه الماضون بتفكرهم وتعقلهم ومن ثم تدبرهم لحقيقة انفسهم والعلة من خلقهم والغاية التي تنشدها فطريا نفوسهم والمتمثلة بالشعور بالهلاك والخوف من الفناء وطلب البقاء والعلم بالعقل والمنطق ان مجرد سؤال انفسهم البقاء دليل على وجوده فالتزموا الصبر على هذه الحقيقة غير غافلين عن ان من احاطهم باصناف خلقه وبايات لامنتهى لها ليس بعابث بفعله سبحانه فبدات نفوسهم تتبين الحقيقة وتنموا مدركة لها حتى كمال بلوغها ثم الانتقال بعد ذلك الى مرحلة الدلالة عليها رغم الاستمرار في طلبها ودوام النماء فيها فاصبحوا امثلة تضرب لها لاقرانهم من الناس في زمانهم ولم تنتهي الحياة ولم ييأس الساعون اليها ولازالت سماء كل زمن تطرز بنجم من نجومها ويبقى الامر لله الذي يؤتي حكمه وفضله من يشاء .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق