تحقيقات وتقارير

موسكو ـ طهران ـ واشنطن : اللعبة الكبرى في طريقها للعودة

الداعي نيوز : ينقل المؤرخون الروس عن القيصر نيكولاس الثاني الذي أعدمه وعائلته الرفاق السوفيات سنة 1918 قوله “مهما توسعت روسيا غربا فإن لها صديق دائم وثابت في الجنوب هو إيران”.

موقف نيكولاس الثاني يستند إلى أكثر من خمسة قرون من العلاقة بين البلدين، كانت خلالها المصالح الجيوسياسية الثابت الوحيد، أمام تحولات عقائدية وحروب توسعية وصراعات خارجية، فرضت نفسها على العلاقة الشائكة بينهما.

علاقة مرت بتناقضات حادة تخللها أربعة حروب وعدة اتفاقيات وتحالفات، فرضت على حكام بلاد فارس المراعاة الدائمة للعقيدة التوسعية الروسية، التي ارتكزت منذ زمن القيصر إيفان الرهيب على فكرة التوسع القاري، باعتبار أن روسيا إمبراطورية برية تمنحها قوتها الصاعدة في منطقة جغرافية مفككة ومعقدة قوميا واثنيا من إخضاع الشعوب والأنظمة التي تقع ضمن مجالها الحيوي، الذي لم يزل منذ بطرس الأكبر إلى فلاديمير بوتين يعيش عقدة الوصول الدائم إلى المياه الدافئة.

تاريخيا، سيطر هاجس الأعداء المشتركين على علاقة روسيا بجارتها الدائمة إيران ..ففي النصف الثاني من القرن الخامس عشر أسس القيصر إيفان الثالث (1440 ـ 1505) لعلاقات سياسية وتجارية مع بلاد فارس عبر الرّحال الروسي أفاناسي نيكيتين، الذي جال بين الحواضر والمدن الإيرانية لمدة سنتين وسجل انطباعاته عن جدوى العلاقة ما بين الإمبراطورية الروسية الصاعدة ونواة السلطنة، التي بدأت الأسرة الصوفية في تأسيسها، إلى أن وصلت العلاقة إلى مستوى تبادل السفراء سنة 1594 في عهد القيصر فيودور إيفانوفيتش والشاه عباس الصوفي، على خلفية المصلحة المشتركة من مواجهة الخطر العثماني، وتطورت لاحقا إلى مرحلة التصدي لبريطانيا العظمى الذي عُرف بصراع اللعبة الكبرى.

تاريخيا، سيطر هاجس الأعداء المشتركين على علاقة روسيا بجارتها الدائمة إيران، ونجحت بطرسبورغ ومن بعدها موسكو في تحويل فارس ومن بعدها إيران إلى حيز جغرافي خضع في مراحل مختلفة للهيمنة السياسية والعسكرية الروسية، كان أبرزها اتفاقية تكرمنشاي التي وقعت في شهر شباط/فبراير 1829 وتنازلت بموجبها إيران عن مناطق ما وراء القوقاز، وأدت إلى أول رسم للحدود الرسمية بين الإمبراطورية القيصرية الروسية والدولة القاجارية، والتي أعادت الحدود الإيرانية إلى خلف ضفة نهر أراس.

فتح ترسيم الحدود الطريق أمام روسيا إلى استخدام إيران في صراعها المقبل مع بريطانيا، التي بدأت تتوسع باتجاه مناطق آسيا الوسطى عبر الهند، إلى أن توج الصراع الروسي ـ البريطاني على إيران بمعاهدة الوفاق الروسي ـ البريطاني في إيران، التي وقعها وزير خارجية روسيا القيصرية ألكسندر ايزفولكسي والسفير البريطاني في بطرسبورغ آرثر نيكلسون في شهر آب/ أغسطس 1907، وأدت بنودها إلى تقسيم بلاد فارس إلى ثلاث مناطق، الشمال لروسيا، والجنوب الغربي لبريطانيا، ومنطقة عازلة تفصل بين مناطق نفوذهما.

واعتبرت الاتفاقية ذروة التدخل الروسي في الشؤون الداخلية لإيران ما بين سنة 1907 و1911 فيما عرف بمرحلة الثورة الدستورية، عندما قمع الجيش الروسي الثورة وقصف البرلمان الإيراني 1908، إلى أن تم إلغاء بنودها بموجب معاهدة الصداقة السوفياتية ـ الإيرانية التي وقعت في شباط/ فبراير 1921 والتي تضمنت في أحد بنودها السماح للاتحاد السوفياتي بالتدخل العسكري في إيران إذا هددت دولة أجنبية حدوده الفيدرالية أو حدود حلفاؤه عبر إيران، وقد استغل الدكتاتور السوفياتي ستالين هذا البند كمسوغ شرعي لاحتلال أجزاء من إيران أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي أدت إلى تصدع كبير في العلاقة بين البلدين وساعدت الحلفاء على استمالة طهران وإضعاف النفوذ السوفياتي.

عمليا، نجح شاه إيران محمد رضا بهلوي في ستينيات القرن الماضي من إعادة تحسين العلاقات مع موسكو من خلال السماح للشركات السوفياتية بالعمل في إيران، وتبادل البعثات العسكرية التي ساهمت في تأهيل قدرات إيران العسكرية، كما التزم من بعده مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني في سياسة الابتعاد عن المحاور الدولية بعد تبنيه شعار “لا شرقية ولا غربية… ثورة ثورة إسلامية”.

من الصعب أن تتخلى موسكو عن إيران باعتبارها سندا لا بديل عنه في سوريا

لكن أحداثا عالمية أبرزها سقوط الاتحاد السوفياتي 1991 ومن ثم احتلال الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق، حيث دفع الصراع الدولي الجديد على ممرات طريق الحرير ومنابع الطاقة، القيادة الإيرانية للعودة إلى روسيا، الشريك الجديد ـ القديم الذي يشاطرها الهواجس الجيوسياسية نفسها، التي فرضتها بريطانيا في اللعبة الكبرى وتفرضها عليهما واشنطن في هذه المرحلة، من خلال مشاريع نفوذها الممتدة من آسيا الوسطى إلى باب المندب مرورا بحوض بحر قزوين وشواطئ البحر الأبيض المتوسط.
هذا ما يجعل الارتباط الروسي الإيراني في هذه المرحلة عميقا ومتشعبا، إذ من الصعب أن تقوم موسكو بعملية تخلي سهل عن إيران باعتبارها سندا لا بديل عنه في سوريا، وحاجزا جغرافيا يعيق محاولات التمكين الأميركي في مناطق المجال الحيوي السوفياتي السابق، وهذا ما عبر عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تعليقه على ما أشيع عن عرض أميركي للحل في سوريا يستثني إيران، حيث قال إن بلاده لا تتاجر في الحلفاء والمبادئ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق