عربي ودولي

في الوساطات الاقليمية ايهما اكثر جدوى واشنطن ام موسكو؟

الداعي نيوز – وكالات : يظل عصر التدخلات العسكرية في المنطقة مستمرا، لكن يبدو أن الجزء العنيف فيها سوف يميل إلى التراجع ويبقى الشق الناعم متواصلا، وهو ما أكدته الهبّة الإقليمية والدولية احتجاجا واعتراضا وتحفظا على إرسال تركيا لأرتال من المعدات في شمال شرق سوريا لتشكيل منطقة آمنة بالأمر الواقع، ومطالبات عدة بانسحاب جميع القوات من الأراضي السورية، والتمهيد لإطلاق عملية سياسية متكاملة.

يصاحب ذلك، حديث متواتر حول تهدئة صراعات في منطقة الشرق الأوسط، كما هو في اليمن وليبيا، والاستجابة لضغوط الشعوب في تصويب مسارات بعض الأنظمة وتدشين مشروعات حقيقية للإصلاح السياسي، كما يجري في العراق ولبنان، وتشجيع القوى المختلفة على التدخل بالوساطة لإطفاء حرائق مشتعلة وقطع الطريق على أزمات قابلة للانفجار.

يحتل الشق الأخير جانبا من النقاشات لدى بعض الدوائر السياسية، فالقوى التقليدية المعروفة باستعداداتها للوساطة تبدلت، ودخلت عليها تعديلات جوهرية، فقد تكون هناك دولة إقليمية صغيرة وتملك من الأمنيات ما يساعدها على نزع فتيل أزمة ما، وربّما هناك قوى عظمى لها نفوذ واضح وتفتقر إلى الإرادة ولا تستطيع القيام باختراق كبير في نزاع محدود.

انعكس التغيّر في الموازين الدولية على مسألة الوساطات الإقليمية، ولم تعد لها علاقة فقط بالقوة العسكرية والسياسية الفائقة، ولا بالتراكم التاريخي، بل تلعب لغة المصالح وترتيب الأولويات الدور الحاسم، فكم دولة لها نفوذ وباع طويل من الخبرات وقدّمت مقاربات ونجحت في حل أزمات؟ وكم دولة تملك من الطموح السياسي والإمكانيات الاقتصادية وبلا قدرات عسكرية كبيرة، وتمكّنت من سدّ فجوات عميقة في بعض التوترات؟

أصبح جلب السلام بين إثيوبيا وإريتريا مؤخرا، بدعم إماراتي سعودي، إحدى العلامات والنماذج الدالة على أن القوى الإقليمية النشطة يمكنها، إذا ما أرادت وتوافرت لها الرغبة والأجواء المناسبة، تسوية أزمات مستعصية فشلت في حلحلتها بعض القوى الكبرى، وهو اتجاه تتنامى ملامحه مع تصاعد التفكير في زيادة أطر التعاون والاتجاه نحو المشروعات التنموية المشتركة؛ ما يحدث تحولات في خارطة النزاعات والدول الساعية إلى إخمادها.

أوراق الحل والعقد

احتفظت الولايات المتحدة على مدار النصف قرن المنقضي بالكثير من أوراق الحل والعقد في العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط تحديدا، وكانت أدوار غالبية الدول الأوروبية تبدو قريبة منها أو تدور في فلكها مع احتفاظ بهامش ضئيل للمناورة، ولم تكن موسكو في العهد السوفييتي السابق أو الروسي الحالي، تناطحها في مجال التسويات السياسية، وهو ما شجع واشنطن على فك وتركيب الأزمات بالطريقة التي تراها مناسبة، بصرف النظر عن العدل والقانون والحقوق، فالانحيازات في القضية الفلسطينية مثلا لم تكن خافية على كثيرين.

تدفقت مياه كثيرة في هذا النهر، حتى وصلت الإدارة الأميركية الراهنة إلى حالة من العجز، قادتها إلى إيثار الابتعاد عن أزمات متباينة، وتقليل التدخلات العسكرية إلى حدود دنيا، ورافق ذلك جمود في الوساطة التي تعتمد على الحياد الظاهر والعزم على خفض سقف التوترات، خوفا من أن تؤدي إلى انعكاسات على مصالح واشنطن.

كان الحديث عن صفقة القرن من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب، أول مسمار جليّ تدقه واشنطن في نعش الوساطة الإقليمية، فتفاصيل الصفقة وتطوراتها ليست بحاجة إلى تكرار، غير أن النتيجة السلبية التي حققتها كشفت عن عدم إلمام بالواجبات المفترض أن يقوم بها الوسيط، حتى وهو يحاول محاباة طرف على حساب آخر. وخصمت الحصيلة الغامضة للصفقة من الرصيد الأميركي في مجال السلام بالمنطقة، وعززت فكرة التسلل إلى بعيد.

بوتين يتجه نحو أفريقيا والشرق الأوسط بخطوات كبيرة مستفيدا من الفراغ الذي خلفته واشنطن ومعولا على تطلعات الكثير من الدول إلى بلاده كقوة فاعلة إقليميا ودوليا

هناك سلسلة طويلة، تؤكد أن الرئيس ترامب لا يملك النية والاستعداد والإرادة للتدخل الخشن أو الناعم، وهو متسق مع أجندته التي رفعها خلال الحملة الانتخابية وتتعلق في محتواها المركزي بالمواطن الأميركي، والانسحاب التدريجي من الصراعات.

كما أن غالبية التدخلات في المجالين، الخشن والناعم، كانت عبر وسطاء، فعندما أرادت واشنطن مكافحة الإرهاب التحفت بتحالف إقليمي ودولي فضفاض، واعتمدت على دول بعينها في المنطقة، وعندما سعت إلى تدشين تسوية سياسية للأزمة في ليبيا أوحت إلى ألمانيا بالتقدم.

بدت الولايات المتحدة وكأنها تخلت عن الكثير من قناعاتها في ما يتعلق بالحرب والسلام معا، إلا عند الضرورة القصوى التي تمثل خطرا داهما على الأمن القومي الأميركي، ما أثر على رؤيتها في التعامل مع إيران، وما أفضت إليه من تذبذب استثمرته الأخيرة بالتمادي في عدم الكف عن تدخلاتها السياسية والأمنية في بعض الدول العربية.

هيّأت هذه التطورات الساحة أمام دولة أخرى، مثل روسيا، لديها من الطموحات والقدرات ما يس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق