سياسات الامن الغذائي وارتباطها بأمن الشعوب واستقرارها ورفاهيتها

مقالات – الداعي نيوز : يشير مصطلح الأمن الغذائي إلى توفر الغذاء للأفراد دون أي نقص، ويعتبر الأمن الغذائي قد تحقق بالفعل عندما يكون الفرد لا يخشى الجوع أو أنه لا يتعرض له، ويستخدم كمعيار لمنع حدوث نقص في الغذاء مستقبلاً أو انقطاعه إثر عدّة عوامل تعتبر خطيرة ومنها الجفاف والحروب، وغيرها من المشاكل التي تقف عائقاً في وجه توفّر الأمن الغذائي.

وينشطر الأمن الغذائي إلى مستويين رئيسيّين وهما المطلق والنسبي، فيعرف المطلق بأنه قيام الدولة الواحدة بإنتاج الغذاء داخلها بمستوى يتساوى مع الطلب المحلي ومعدلاته أو قد يفوقها أحياناً، ويمكن اعتباره غالباً بأنّه يحقق مفهوم الاكتفاء الذاتي الكامل، أما الأمن الغذائي النسبي فإنه يشير إلى مدى قدرة الدولة على إنتاج وإيجاد ما يحتاجه الشعب أو الأفراد من سلع وغذاء بشكل كلي أو جزئي

ويقول م. محمد الحسن في مقالة له نشرت بعنوان، “الأمن الغذائي العربي” الآفاق المستقبلية والخيارات السياساتية،ان الأمن الغذائي يشكل هاجسا مستمرا لجميع الدول الساعية إلى الحفاظ على الاستقرار، وتوفير معيشة كريمة لأبنائها، وتيسير سبل الحياة في مجتمعاتها، وتجنب فقدان الأطعمة الضرورية لشعوبها، والحد من تفاقم المشكلات الصحية الناجمة عنها.

ويرتبط الأمن الغذائي ارتباطا وثيقا بأمن الشعوب واستقرارها ورفاهيتها، وبمشكلة الهجرة من أريافها إلى المدن الرئيسية فيها، أو إلى بلدان أخرى، كما يرتبط بحسن الإدارة والتخطيط والتنظيم في الجهات المسؤولة عن هذا المجال، إضافة إلى عوامل المناخ والتعليم والتكنولوجيا والمعرفة.

ووفق مؤتمر القمة العالمي للأغذية، الذي عقد في عام 1996، فإن الأمن الغذائي يتحقق عندما يتمتع البشر كافة في جميع الأوقات بفرص الحصول، من الناحيتين المادية والاقتصادية، على أغذية كافية وسليمة ومغذية تلبي حاجاتهم التغذوية وتناسب أذواقهم الغذائية كي يعيشوا حياة موفورة النشاط والصحة.

وهذا التعريف للأمن الغذائي يشير إلى نطاق واسع من العوامل التي ينبغي توفرها للشخص كي يتمتع بالأمن الغذائي. كوجود إنتاج محلي أو استيراد أو كليهما، وتمكُّن الأسر من الحصول على الأغذية، ما يعني ضرورة وصولها ماديا إلى الأسواق وقدرة المستهلكين المالية على تحمل تكاليف شراء الأغذية. و يعني التعريف أيضا أن يستهلك الأفراد الغذاء بكمية كافية ونوعية مناسبة، وأن يتمتعوا بالصحة الكافية للاستفادة من الطعام.

ويسلط تقرير أممي حديث الضوء على مشكلات الأمن الغذائي في الوطن العربي، والحالة السائدة للأغذية والزراعة فيه. وأعد التقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، والمكتب الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).

ومن المأمول أن يعزز هذا التقرير حوارا قائما على الأدلة عن السياسات المتعلقة بالأمن الغذائي والتنمية المستدامة في المنطقة العربية، ليس فقط بين صناع القرار الملتزمين باستمرار رفاهية السكان العرب، بل أيضا بين عامة الجمهور بما في ذلك المجتمع المدني ووسائل الإعلام.

ويقسم التقرير إلى جزأين يحتوي أولهما على لمحة عامة عن الأمن الغذائي في المنطقة العربية، بما في ذلك توفر الأغذية وإمكانية الحصول عليها والاستفادة منها، في حين يتضمن الجزء الثاني تحليلا معمقا لموضوعات مختارة منها الزراعة المحلية، والتجارة الدولية للأغذية، وفقد الأغذية وهدرها، والآفاق المستقبلية.

وقال وكيل الأمين العام والأمين التنفيذي للجنة (الإسكوا) محمد الحكيم في تقديمه للتقرير إن الأمن الغذائي ظل يشغل موقعا متقدما في جدول أعمال بلدان المنطقة، وأسفر ذلك عن تحقيق 14 بلدا عربيا لهدف الجوع من الأهداف الإنمائية للألفية، الذي ينص على خفض انتشار الجوع إلى النصف خلال الفترة 1990 – 2015. واستمرت زيادة نصيب الفرد من الإنتاج الغذائي وتناقص سوء التغذية في البلدان غير المتأثرة بالنزاعات. ونجحت عدة بلدان في المنطقة في وضع الزراعة على مسار التحول الهيكلي، محققة نتائج إيجابية من حيث الصادرات الغذائية والحد من الفقر.

أما المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) غرازيانو دا سيلفا فقال في مقدمته إن الأمن الغذائي لا يزال مصدر قلق مستقبلي كبيرا في المنطقة، فلاتزال الإنتاجية المادية والاقتصادية للموارد الطبيعية منخفضة نسبيا، ولاتزال المنطقة تتأثر – إلى حد كبير- بتقلبات أسواق الأغذية العالمية. وتشير التوقعات البديلة إلى مستقبل أفضل بعض الشيء للإنتاج المحلي، لكن المنطقة ستظل تعتمد في تلبية حاجاتها على واردات الأغذية، ما قد يثير تحديات متزايدة لأقل البلدان نموا.

يتضمن التقرير في جزئه الأول الذي حمل عنوان (الأمن الغذائي في المنطقة العربية من منظور شامل) أربع قضايا رئيسية أولاها (ازدياد اعتماد السكان المتنامي على الواردات). 

وفي هذا الموضوع يذكر التقرير أن كمية الأغذية المستهلكة على المستوى الوطني تعتمد كثيرا على التوزيع الديمغرافي، وأن بلدان المنطقة العربية تشهد فترة من التحول الديمغرافي يتصف بارتفاع معدل النمو السكاني والتوسع العمراني المتزايد. فقد ازداد عدد سكان المنطقة بين عامي 1950 و2010 بنحو خمسة أضعاف، لكن المحدد الأساسي الثاني للاستهلاك الغذائي، أي متوسط استهلاك الفرد، لم يتغير بالقدر الكبير نفسه. أما من حيث العمراني، فسيكون نحو 90 % من الزيادة في سكان المنطقة في السنوات المقبلة في المدن، لتصل نسبة من يعيشون في المدن إلى نحو 70 %.

وفي القضية الثانية يتطرق التقرير إلى موضوع (الحصول على الغذاء) باعتباره يمثل تحديا اقتصاديا، وذلك حتى في البلدان التي يستقر فيها توفر الأغذية على المستوى الوطني.

وتتطرق القضية الثالثة إلى موضوع (نقص التغذية والمغذيات الدقيقة ووجود البدانة)، مشيرا إلى المشكلات الناجمة عن نقص التغذية في بعض الدول العربية لاسيما اليمن والصومال وسوريا، وإلى وجود بدانة في الوقت نفسه لدى نحو ربع السكان في المنطقة العربية. 

أما القضية الرابعة فهي دور كل من النزاعات المسلحة وتغير المناخ في تفاقم تحديات الأمن الغذائي. 

في الجزء الثاني يتناول التقرير عددا من القضايا المهمة المتعلقة بالأمن الغذائي، وأولاها (دور الزراعة المحلية) إذ يشير إلى إسهام هذه الزراعة بنسبة %7 فقط من الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة العربية، ومع ذلك فدورها رئيسي في تحقيق الأمن الغذائي، إذ يعتبر الإنتاج المحلي الواسع النطاق للأغذية ضمانة أساسية للاستقرار.

والزراعة ركيزة أساسية في الحصول على الأغذية لأن نحو 40 % من السكان يعتمدون في معيشتهم على الزراعة. ويتوقف الإنتاج الزراعي المحلي على مساحة الأراضي المزروعة من جهة، وعلى الإنتاجية من جهة أخرى. فبينما كانت زيادة الإنتاجية الزراعية القوة الدافعة الرئيسية لزيادة الإنتاج في معظم مناطق العالم، فليس الحال كذلك في المنطقة العربية، فقد تأتى ثلث زيادات الإنتاج في المنطقة من التحسينات في الإنتاجية على مدار السنوات العشرين الماضية، مقابل %95 من الزيادة في الإنتاج على الصعيد العالمي.

ويتطرق التقرير إلى دور التجارة الموثوقة في الأمن الغذائي للمنطقة، ويُظهِر أنه على الرغم من أن بعض البلدان العربية يصدر بعض السلع الغذائية، فإن الموازين التجارية تظل سلبية على جميع السلع الأساسية وفي جميع الدول العربية. 

وعلى سبيل المثال فقد تزايدت الواردات من المنتجات الغذائية والحيوانية باطراد منذ العقد الأول للقرن الحالي، لتصل إلى أكثر من 90 بليون دولار في عام 2013. وتحتل الحبوب حتى الآن المركز الأول في سلة الأغذية المستوردة، مع عجز تجاري تجاوزت قيمته 30 بليون دولار في السنوات الأخيرة. 

وبين التقرير انه، عندما تمثل الواردات الغذائية نسبة صغيرة وثابتة من عوائد تصدير السلع في بلد ما، يكون ذلك البلد قادرا على تحمل تكلفة هذه الواردات الغذائية، أما عندما تمثل الواردات الغذائية نسبة كبيرة ومتقلبة من عوائد التصدير، فعلى ذلك البلد أن يشعر بالقلق إزاء قدرته على تحمل تكلفة تلك الواردات. وعلى صعيد العالم ككل، يبلغ متوسط تلك النسبة أقل من %5، في حين راوح المتوسط في المنطقة العربية عند نسبة %7 في السنوات الأخيرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق