تحقيقات وتقارير

تقطيع وتجميع وتزوير.. تعرف على سر انشطار السيارات بمصر

الداعي نيوز : استبدّ الملل بممدوح من جراء طول البحث عن سيارة مستعملة جيدة بسعر مناسب، فأخبره شقيق زوجته بأن يضع المبلغ القليل المتوفر -خمسة وثلاثين ألف جنيه (الدولار نحو 17 جنيها)- لشراء سيارة ثمنها بالسوق نحو 170 ألف جنيه، ولا تقل في إمكاناتها عن تلك التي يقتنيها أكابر البلدة بمحافظة أسيوط (جنوب القاهرة).

أخبره شقيق زوجته كذلك أن الشراء سيكون غير قانوني، إذ سيقتني سيارة مهربة من ليبيا، ولم يجد ممدوح بأسا في ذلك، ولا سيما أنه يستخدمها لتنقلاته الأسرية في الأرياف، بين قرى بعيدة عن أقدام رجال المرور.

أخبره كذلك أنهم سيلجؤون لحرفي ماهر لاستبدال رقم يخص سيارة محلية من نوع السيارة المهربة نفسه تعرضت لحادث، ولم يبق منها غير رقم الهيكل، برقم هيكل السيارة المهربة الذي يتم التخلص منه.

لكن قبل تسلم السيارة المهربة، علم المشتري بإلقاء القبض على المهرب الليبي ضمن مجموعة مهربين بسيارات عدة أثناء محاولاته عبور الحدود الغربية لمصر مع ليبيا، وهو خبر مكرر بالصحف المصرية في السنوات الأخيرة.

واستغل المهربون قبل سنوات اتفاقية بين البلدين تقضي بمرور المواطنين بسياراتهم دون جمارك وبرسوم مخفضة بنظام الإفراج المؤقت، وهو النظام الذي أوقفته الحكومة المصرية عام 2016، لمحاولة حصار ظاهرة التهريب، فاتجه المهربون إلى مدقات (دروب) الصحراء الغربية.

واقتناء سيارات حديثة وفارهة وبأسعار رخيصة، معادلة مستحيلة في ظل منظومة بيع السيارات بمصر، حيث الجمارك تُضاعف سعر السيارات، ما يدفع هواة السيارات الفارهة للبحث عن طرق بديلة لا تخلو من مخاطرة.

 

قبل أسابيع تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمزيد من التعجب والدهشة صورا لسيارة “لامبورجيني” الفارهة، وقد تمزقت حرفيا مثل سيارة بلاستيكية من لعب الأطفال، عقب حادث تعرضت له بالقاهرة.

وكاد يتوافق رواد صفحات ومجموعات السيارات بمواقع التواصل في نقاشات حول الحادث على أن الأرجح هو أن السيارة المعنية، جرى لها ما جرى لأنها “ملعوب فيها” بالتعبير المتداول في سوق السيارات، وتعني أنه تم تجميعها بعد تقطيعها.

والتجميع بعد التقطيع حيلة يعتمدها هواة اقتناء السيارات الفارهة بسعر رخيص، وتتلخص في قيام مستوردي قطع غيارات السيارات الكبار بشراء سيارة من الخارج لعميل يطلبها بالاسم، ثم يجري تقطيعها بالخارج إلى نصفين.

بعد ذلك يجري إدخالها عبر الجمارك على أنها قطع غيار لسيارات من النوع نفسه، ليتفادى التاجر بذلك دفع مقابل الجمارك المرتفع الذي يساوي في بعض الأحيان ثلاثة أضعاف ثمن السيارة الأصلي.

ولاحقا يجري تجميع الجزئين المقطوعين للسيارة لتنهض سيارة جديدة، يعيبها أن الهيكل المعدني لها لا يكون بمتانة سيارة جديدة ذات قطعة واحدة متماسكة.

ويقول أحد تجار قطع الغيار -رفض ذكر اسمه- أن هذه الطريقة هي الأكثر أمانا أمام القانون، حيث إن رقم الهيكل المثبت هو رقم السيارة الحقيقي، ولن يحتاج الأمر لأكثر من أوراق معتمدة من أي تاجر.

ورقم الهيكل بمثابة بطاقة الرقم القومي للسيارة، وهو مكون عادة من 17 رقما ورمزا، محفورة خلف موتور السيارة، وتحت المقعد الأيمن للسائق.

وذكر تقرير لمركز المعلومات بمجلس الوزراء أن هناك 139 ألف سيارة، زوَّر المتلاعبون هوياتها خلال عام 2014، وفى الفترة ما بين عامي 2011 و2016، دخل إلى مصر 15 ألف سيارة ليبية، ولم تخرج قبل وقف العمل بالاتفاقية المصرية الليبية عام 2016. 

وبحسب بائعين لقطع غيار سيارات بمنطقة الحرفيين (غرب القاهرة)، يختلف زبائن السيارة المجمعة بعد تقطيع عن الأخرى المزورة، فالمجمعة زبائنها هم فئة هواة اقتناء السيارات شديدة الفخامة تشبهًا بأكابر القوم، ولكن بأسعار مناسبة.

أما زبائن السيارات المزورة فعادة هم أصحاب سيارات تعرضت سياراتهم لحوادث دمرتها تماما، ولا يسعهم شراء الجديد، ولا سيما أنها قد تكون بكل ما جمعه “شقاء العمر” من مال، فيكون الأوفر لهم هو نزع أرقام الهيكل من القديمة، ووضعه على سيارة مهربة بالمواصفات نفسها.

سعيد شاب ثلاثيني يستعين بقدم صناعية تساعده في الحركة، بسبب إصابة في حادث سير مروع، فقد فيها سيارته وقدمه، ولكن الحادث فتح له أبواب الثروة بالتجارة في سيارات الحوادث.

رافقنا سعيد لساحة تخزين تابعة لإحدى الشركات التي تعمل في مجال تأجير السيارات، وقال لمراسل الجزيرة نت إنه “يخدمه” بعرض سيارة “سوبارو امبريزا” اليابانية طراز 2018 ذات دفع رباعي، مقابل سبعين ألف جنيه فقط، والسيارة تعرضت لحادث أطاح بمقدمتها، ولن تحتاج إلا إلى المقدمة المتوفرة، لتعود سيارة مثل الجديدة، بمقابل يقل كثيرا جدا عن مثيلتها الجديدة وحتى المستعملة.

ومنذ عام 2011 ألقت الشرطة القبض على عدد من الضباط تورطوا في عمليات تزوير لسيارات، ومنهم رئيس وحدة مرور منطقة الوايلي بالقاهرة وموظفون عديدون عقب ثبوت تمريرهم لأكثر من سبعين سيارة مهربة من ليبيا.

كما نشرت الوزارة مؤخرا سيارات شرطية في خمس محافظات لتعقب السيارات المزورة، وتلقي شكاوى الجمهور والانتقال فورا لمحل الواقعة.

وتنص المادة 17 من قانون المرور رقم 66 لسنة 1973، على عقوبة الحبس لكل من قام بالتزوير أو التلاعب في الأجزاء الجوهرية للسيارة التي تشمل رقم الهيكل.

وفي مجموعات “محبي السيارات” على موقع فيسبوك قصص كثيرة عن أشخاص تعرضوا للخداع من تجار سيارات باعوا لهم سيارات تعرضت لحوادث على أنها سيارات جديدة.

بدوره، قال نائب رئيس شعبة السيارات بالغرفة التجارية نور الدين درويش إن وزير الصناعة والتجارة، أصدر مؤخرا قرارا يقضي بضرورة الحصول على شهادة أمان وضمان من أي مركز سيارات قبل شراء أي سيارة مستعملة.

وشدد على من يرغب في شراء سيارة مستعملة بضرورة الذهاب إلى أقرب مركز صيانة وإجراء كشف سلامة وأمان، حتى يضمن أنها جيدة وليس بها أي مشكلات فنية.

وأكد درويش أن هذا القرار الوزاري سيطبق في القريب العاجل لحل جميع مشاكل السيارات المستعملة، مشيرا إلى أن نسبة السيارات المستوردة في مصر هي 35% من الدول الأوروبية، على رأسها ألمانيا.

ونفى درويش في تصريحات صحفية ما يتم تداوله حول استيراد قطع غيار السيارات من الخارج وتجميعها في مصر للهروب من أسعار الجمارك، مؤكدا أن “الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا السلوك”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق