مقالات

“بين البرد والدفء حضن حبيب” قراءة في قصة ” المبخرة والمجمرة”

د . أمل محمد الأسدي

الداعي نيوز / مقالات

يبدأ النص بذكر المكان” أبو النمرس” فيصفه القاص بالبرودة” مدينة باردة” ومن هنا جعل البطل الذي ينتقل من مكان الى آخر بـ ” الاوتوبيس” جعله يعاني من البرد .. لينقل لنا احساسه ، والشعور بالبرد له تأويلات عديدة ، فعلى الرغم من ( أبو نمرس) مدينة باردة وتهب عليها رياح الخماسين ، لكن الشعور بالبرد أبعد من أن يحصر بالبرد المادي! فالبرد شعور داخلي ينبع من ذات الإنسان التي تعاني من الغربة والوحدة والألم ، والحياة البائسة ،وهذا ما كان يشعر به ” مرعي” بطل القصة الذي بلغ من العمر أرذله وقد كثرت النهايات في حياته وكثرت الصيحات والتنبيهات في حياته كما تنبيه “المحصل “له في الاوتوبيس ، ولكن وعلى الرغم من كثرة الطرق المتعبة بقي البطل يسير على قدميه ، بقي يعاني،وهذا ما عكسه القاص على لسان بطله وعن طريق ” المونولوج الداخلي” إذ قال مرعي” آه يا مرعي ما أكثر النهايات التي شهدتها ولم تزل سائرًا على قدميك” وهنا لحظة كشفٍ واضحة لما يشعر به البطل ، ولما مر به في حياته التي أتعبته وأرهقته بالمسير .
يجلس البطل ليريح قدميه ويقلب أفكاره في مقهى شعبي ليشرب ” كوب الشاي” ويحاور الجالسين ويسألهم عن احوال المدينة وأمور السكن فيها، ثم يسرح قليلاً وقد عصفت به مشاعر الاشتياق لقريته القديمة، ولكن ما فائدة تذكر القرية إذا كانت هي لا تذكره ، فمن يعرفه الآن؟ إذ إن الموت خطف كثيراً من الوجوه التي تعرفه، وآفة النسيان قد خطفت هي الأخرى ذاكرة بعضهم !إذن الغربة قائمة على الرغم من أن قريته التي نشأ بها موجودة ، فالإغتراب لايأتي من المكان ، ولو عاد الى قريته لبقي يعاني الغربة وبقيت المأساة، وعلى هذا قرر أن يسكن في ” ابو نمرس”.
بعدها تظهر ابنته الوحيدة ومن غير تقديم او اشارة من القاص من أنها إذا كانت موجودة معه من اول الرحلة أم أن رحلتها رحلة ثانية ، لاحقة لرحلة أبيها، إن سعاد تدرك أن الرحيل مفروض عليها ، فتارة يرحل عنها من تحب كأخيها الذي ذهب الى العراق ومات هناك ، وتارة يرحل زوجها ليتركها تصارع الحياة لوحدها، وتارة أخرى ترحل هي وأولادها لتسكن مع والدها في ( ابو نمرس) بعد ان طردهم صاحب المنزل و بعد أن استحصل أمرا بهدمه ، وأعطاهم مبلغا قليلا لا يمكنهم من السكن إلا في مكان بعيد كأبي نمرس، ويعكس القاص معاناة سعاد وشعورها بالغربة عن طريق ذكرها للأماكن التي تمر بها وعن طريق ذكرها لنهر النيل وشاطئيه ، فالأماكن كلها سواء في نظرها، غربتها تنبع من فقدها لمن تحب( الأخ ، الزوج) غربتها تنبع من شظف العيش ، ومعاناها تصدر من الحال التي يمرون بها من ضياع حقوقهم كمواطنين ، فمعاش والدها قروش معدودة ، ولا يغني اقترابهم من العاصمة ( القاهرة ) عن شيء.
عاد مرعي يعكس شعوره بالبرد فيقول ” الشتاء قاس” ثم تشعل سعاد النار في كومة من الخشب من اجل محاربة البرد القاسي ، وحضرّت حساء العدس الذي يصلح في الأجواء الباردة ، أما مرعي فقد أشعل عود بخور كي يبدد رائحة الخشب المحترق، وفجأة انقدحت في ذهنه ان يحول هذه المجمرة الى مبخرة ، فعلبة من الصفيح ونصف متر من السلك وثقبين تكفي لتحويلها الى مبخرة، وهكذا وضع ” مرعي” قليلا من الجمر ووضع فوقه البخور وصار يتجول في الأزقة والطرقات والأسواق ، ويصلي على النبي وفِي مقابل ذلك تعطيه الناس ما تيسر لهم من مال، هكذا”تجبر الحياة ” مرعي” على أن يظل يسير على قدميه من دون راحة، حاملاً بيده المبخرة ، والنار فيها مشتعلة والبرد يغزو جسمه ويدق عظامه، لينتهي اليوم البارد ويعود الى مسكنه فيضع القروش التي جمعها بين يدي ابنته سعاد، وهو يرتجف من البرد ، فتجلسه قرب الموقد ، وتلحظ أن يديه باردة جداً فتدلكها له،ومن ثم تحضنه فيذوب في حضنها كالأطفال قائلاً لها”تصدقي يا سعاد لأول مرة منذ عمر طويل أشعر بالدفء ” هكذا تنتهي القصة ، فقد يكون البرد شعوراً داخلياً ، يعاني منه الإنسان حين يفتقد مشاعر المحبة والمودة، حين يفتقد الوطن الذي يضمن له العيش المحترم والكرامة المصونة، حين يفقد أحباءه، حين تكويه الغربة فتنكره الأمكنة ، حين يضيع الشعور بالاستقرار في الحياة، وعلى الرغم من فداحة هذا الشعور يمكن محاربته بحضن واحد من شخص نحبه، فالذي حول المجمرة الى مبخرة هو سلك بسيط وعلبة صفيح، والذي قضى على البرد وقسوته وديمومته هو حضن واحد من سعاد!
إن القاص قد أبدع في تقديم مصداق لمعاناة الإنسان المصري البسيط ، الذي أرهقته الحياة ، وصار مغترباً وهو في داره، فلا عيش كريم، ولا استقرار، ولا سكن، ولا حياة رغيدة ، ولا أسرة مجتمعة ، فيكون اجتماعها مصدر دفء وأمان، فقد شتتهم الفقر وبدد أمانيهم واغتال أحلامهم.
إن لغة القاص سهلة قريبة من المتلقي ، اذ تلامس روحه من غير عناء ، وفِي الوقت نفسه كانت ذات دلالة عميقة بعيدة المدى ، فقد أبدع الشاعر في المزج بين البساطة والعمق في قصته.
كانت هذه قراءة في مبخرة أحمد رجب شلتوت التي فاح عطرها وعم ليعالج الواقع الاجتماعي المرير، ومجمرته التي أوقدت المشاعر وأشعلت الإحساس بالآخر وكوت الجراح علها تشفى فآخر الدواء الكي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق