مقالات

ايران والكاظمي .. تقدم الدولة أم تراجع الصولة؟

د.منقذ داغر

الداعي نيوز / مقالات

أثار الأجماع على أختيار الكاظمي رئيساً للوزراء كثير من علامات الأستفهام بخاصة بين أولئك الذين يعرفون مدى أهمية القبول أو الرفض الأيراني لهذا المنصب عبر كل الحكومات السابقة منذ ٢٠٠٦! وقد فسر الكثيرون رضا أيران،أو بكلمة أدق(عدم أعتراض) ايران على هذا الأختيار أنه تأييد للكاظمي.

إن النظرة المتفحصة لتطورات الوضع الأيراني الداخلي من جهة والوضع العراقي الداخلي من جهة أخرى يمكن أن تعطينا فهماً أوضح لآلية أختيار الكاظمي:
تطورات الوضع العراقي
عانت أيران خلال السنوات الثلاث الماضية،ومنذ تحرير العراق من عصابات الجراد الداعشي،من هبوط حاد في قوتها الناعمة في العراق والتي تعتمد على التأييد الواضح للشارع(الشيعي).فقد أنحدرت نسبة الشيعة ممن لديهم رأي مفضل بأيران من حوالي ٧٠٪؜ عام ٢٠١٦ الى ١٥٪؜ فقط في نهاية ٢٠١٩، كما انحدرت نسبة الشيعة الذين يرون في أيران أنها شريك موثوق من ٨٥٪؜ الى ٤٠٪؜خلال نفس المدة.وقد حصل ذلك نتيجة عدد من العوامل منها:
1. التأثير السلبي لأعتماد الأقتصاد الأيراني بقوة على السوق العراقية،بخاصة بعد العقوبات الأمريكية،مما أثر سلباً على كثير من الشركات المتوسطة والصغيرة والمزارعين في العراق الذين باتوا غير قادرين على منافسة المنتجات الايرانية رخيصة الثمن نتيجة سياسة الابواب المشرعة التي اتبعتها الحكومات العراقية ازاء كل منتجات ايران.
2. زيادة المخدرات الداخلة للعراق عن طريق أيران،وتحول مشكلة المخدرات الى مشكلة اجتماعية خطيرة.
3. الفشل الذريع للحكومات العراقية المتعاقبة في مكافحة الفساد وتحسين حياة المواطن.وبات المواطن العراقي ينظر الى ايران والأحزاب والميليشيات العراقية الموالية لها أنها سبب في جلب ودعم هذه الحكومات الفاشلة.وقد تجسد ذلك في رفض تام للواقع السياسي وعزوف كبير جداً عن المشاركة في انتخابات ٢٠١٨ والتي كانت نسبة مشاركة محافظات الجنوب الشيعية فيها اقل حتى من المحافظات السنية.

من هنا جاءت ثورة أوكتوبر ٢٠١٩ تجسيدا ليس فقط لغضب الشارع العراقي على النظام السياسي العراقي بل وعبّرت أيضاً عن رفضها لكل اشكال التدخل الأجنبي في الشأن العراقي ومنه التدخل الأيراني.
تطورات الوضع الداخلي الأيراني
أستثمرت أيران كل قوتها السياسية والأقتصادية والدينية التي راكمتها بعد انتهاء الحرب مع العراق في١٩٨٨ لتأسيس شبكة نفوذ واسعة داخل العراق،نافست بل وتفوقت على النفوذ الأمريكي بعد٢٠٠٣.
وقد لعب الحرس الثوري الأيراني وفيلق القدس بقيادة قاسم سليماني الدور الأساس في قاعدة النفوذ داخل العراق. ألا أن الكثير من المراقبين يجهلون أن السياسة الأيرانية في العراق والمنطقة عموماً،كانت محل نزاع خفي لكن قوي بين جناحي مؤسسة الدولة الأيرانية وجناح الحرس الثوري. ورغم ان هذا الصراع والخلاف في الرؤى كان يطفو للسطح أحياناً،كما حصل عندما أستقال جواد ظريف في شباط٢٠١٩،أحتجاجاً على تدخل سليماني بسياسة أيران الخارجية،الا ان الغاطس من هذا الصراع كان أكبر بكثير من ذلك. غير أن كارزما سليماني والدعم المطلق الذي كان يحظى به من المرشد الأعلى جعلته القابض الرئيس على ملف العلاقات الايرانية في العراق ودول المنطقة.وكان ذلك يثير الكثير من حفيظة مؤسسات الدولة الايرانية(الرئاسة،الخارجية وحتى وزارة الأمن أطلاعات). وقد حصل كثير من النقاش والجدل داخل أركان النظام الايراني ووجه الكثير من اللوم للحرس الثوري بعد أندلاع انتفاضة تشرين في العراق والتي كان من نتائجها حرق القنصلية الايرانية ورفع شعارات من المتظاهرين تطالب بتقليص النفوذ الايراني والقوى المسلحة المساندة له،
لكن وجود سليماني على رأس الحرس الثوري كان دوماً يجعل أصوات مؤسسات الدولة الأيرانية
المعارضة للسياسة التي يتبعها الحرس الثوري الايراني في العراق غير مؤثرة في القرار النهائي.الا أن غياب سليماني عن ساحة القرار الأيراني بخصوص العراق بعد كانون أول٢٠٢٠ أعاد لمؤسسات صنع القرار الايراني التقليدية قوتها وجعل كفتها هي الراجحة بخاصة في ظل عدم وجود خليفة لسليماني يتمتع بنفس المزايا القيادية الكثيرة التي كان يتمتع بها.

أما العامل الآخر ،والذي يرتبط بالعامل الأول،والذي أثر كثيراً في القرار الداخلي الأيراني بخصوص العراق فهو العامل الأقتصادي. لقد عانى الاقتصاد الأيراني كثيرا نتيجة العقوبات الأمريكية التي حرمته من مصادر التمويل الأساسية(النفط والصناعات الكبرى)، وتشير كثير من التوقعات الى أن الأقتصاد الايراني قد ينهار مع بداية السنة المقبلة نتيجة هذه العقوبات القاسية.
لقد حدت هذه العقوبات من قدرة ايران وحرسها الثوري على تمويل حلفائه في المنطقة وبات هؤلاء الحلفاء عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الايراني.

كل هذا جعل الأصوات الأكثر عقلانية في ايران تتساءل عن جدوى السياسة التي يقودها الحرس الثوري في العراق والمنطقة،كما جعلها تطرح خيارات صعبة على القيادة الأيرانية تتمثل بضرورة الجلوس مع أمريكا والتفاوض بشأن صفقة جديدة!
ثم جاءت جائحة كورونا لتضيف ثقلاً آخر على السفينة التي تكاد تغرق. لقد كان للتعامل غير الكفوء للحكومة الأيرانية مع الجائحة آثار أجتماعية وأقتصادية مدمرة عززت من حظوظ التكنوقراط وقلصت من نفوذ الثوريين المؤدلجين الذي قادوا البلاد خلال المرحلة السابقة. أن الخشية من ثورة شعبية في أيران هي خشية حقيقية بخاصة بعد انتهاء الجائحة وفي ظل أقتصاد منهار،آخذين بنظر الأعتبار التظاهرات الشعبية القوية التي خرجت قبل شهور قليلة.

في ضوء كل هذه المتغيرات الأيرانية الداخلية،عانى شركاء أيران في العراق من مشاكل كبيرة بخاصة بعد غياب ثنائية سليماني-المهندس عن الساحة العراقية. وطفت للعلن مرة أخرى خلافات البيت السياسي الشيعي وعدم قدرته على التوافق على الحد الأدنى من المشتركات بينهم. تجسد ذلك في أزمتهم بمواجهة الأنتفاضة الشعبية في العراق وكيفية التعامل مع الوضع السياسي بعد أستقالة عبد المهدي التي جاءت على خلفية الانتفاضة.
لقد أدركت قوى الدولة في أيران أن ما تخاطر به أيران الآن هو ليس فقط قوتها الناعمة وتأييد مشروعها من قبل شيعة العراق،بل ما تخاطر به هو نفوذها السياسي داخل النظام العراقي الذي تعرض لتآكل خطير.أن أيران يمكنها التعايش مع فكرة معاداة أمريكا والغرب أو حتى الصين وروسيا،لكنها لا يمكن ان تتعايش فكرة فقدان العراق نهائياً. فالعراق يمثل بالنسبة لأيران حجر الزاوية لأمنها الجيوستراتيجي فضلاً عن أمنها الأقتصادي. وأن تنامي العداء الشعبي لها في العراق،فضلاً عن ضعف وتشظي حلفائها(وهو ما تجلى واضحاً في عدم قدرتهم على أختيار مرشح لرئاسة الوزراء)،قد يقود الى نتائج ستراتيجية وخيمة على المديين القصير والمتوسط.

في ظل كل ذلك ورغم أتجاهات الكاظمي البعيدة عن النفوذ الأيراني لكنه يمثل فرصةً أكثر منه تهديداً لأيران. فقوى الدولة في أيران تعتقد أن الكاظمي وبحكم كونه رجل مخابرات يجيد لعبة التوازنات،يمكن أن يحافظ على علاقة جيدة مع أيران دون العودة لسياسة التبعية التي أوصلت العلاقات بين البلدين لما هي عليه الان. كما أنه يمكن أن يخفف من حدة التوتر والتنافس الايراني الأمريكي داخل العراق والذي يسهم في إدامة التوتر بين أمريكا وأيران، بل وقد يكون مؤهلاً للعب دور أيجابي لحل الأزمة مع أمريكا.
أن ايران تمر الآن بأوضاع شبيهة لما مرت به قبيل قرارها بقبول وقف أطلاق النار مع العراق في ١٩٨٨،فأقتصادها منهك نتيجة العقوبات وتعاني من مشاكل أجتماعية وسياسية داخلية عميقة تحتاج معها الى هدنة وأستراحة تمكنها من أعادة بناء مرتكزات قوتها الستراتيجية. لذا أعتقد أن قبولها للكاظمي جاء على مضض وسيكون غالباً قبولاً مؤقتاً. فعندما تستعيد قوى التشدد الايديولوجي قبضتها على النظام ستبدأ بأعادة حساباتها مرة أخرى. ان التهديدات التي لم تنتهي للقوى المؤدلجة والثورية من حلفاء الحرس الثوري الايراني لا زالت تحاول بين الفينة والأخرى انتقاد أختيار الكاظمي وسيرتفع صوتها أكثر حينما يرى قادتهم في أيران أن الأوان قد آن لأستعادة أرث سليماني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق