مقالات

العلمانية في مرمى الفهم العربي

د. عقيل عباس

الجزء الاول

الداعي نيوز / مقالات

ليس ثمة مفهوم تعرض للتشويه وسوء الفهم في السياق العربي عموماً، والعراقي خصوصاً، مثل مفهوم العلمانية. تُفهم العلمانية في هذا السياق على أنها أسلوب حياة شخصي سيء يرتبط بالانحلال السلوكي والافتقار إلى القيم الأخلاقية الرصينة.

فالعلماني المفترض هنا لا يمتلك أي وازع أخلاقي أو ديني أو إنساني يردعه عن ارتكاب الأفعال الآثمة والشريرة، فكل شيء مباح له. ولذلك يُفهم “العلماني” عربياً على أنه المعادي للدين والنقيض التام أو الخصم اللدود للشخص المتدين.

في الحقيقة، لا علاقة للعلمانية بالسلوك الفردي أو الإيمان الشخصي، لا تديناً ولا إلحاداً، ولا صلةَ لها لا بالرِفعة أو الوضاعة الأخلاقية للمرء، لأنه باختصار ليس للعلمانية محتوى سلوكي أو أخلاقي معين، لا سلباً أو إيجاباً. هذا الفهم الأخلاقي للعلمانية مرتبط بفهمٍ مغلوطٍ آخر لها وهو افتراض أن العلمانية هي منظومة فكرية أو رؤية أيديولوجية أو سياسية للعالم تنظم حياة المرء ولديها صورة مقترحة للحياة تسعى لتطبيقها.

بعكس القومية أو الشيوعية أو الإسلاموية التي هي منظومات فكرية وسياسية لفهم العالم وتنظيمه، لا تمتلك العلمانية مثل هذا الإطار الأيديولوجي، فليس لها مثلاً، بخلاف القومية والشيوعية والإسلاموية، آراءٌ في الاقتصاد والسياسة والمجتمع أو في كيفية تنظيم العلاقات بين الدول أو حل النزاعات بينها. كما أن العلمانية لا تقترح شكلاً معيناً للدولة أو سياساتٍ محددة تروج لها وتدعو إلى اتباعها بوصفها صحيحة.

العلمانية، بمعناها الدقيق، هي آلية مؤسساتية مهمتها الوحيدة هي ضمان حياد الدولة إزاء أديان مواطنيها، بمعنى عدم تفضيل الدولة لمعتقد ديني أو تبنيه إزاء معتقد آخر. فمثل هذا التبني يقوض مبدأ المساواة القانونية لمواطني الدولة، ويصنع حساً بالتمييز من خلال انحياز الدولة للقيم الدينية التي تؤمن بها مجموعة من المواطنين، صغر أو قل عددها، مقابل تهميش قيم مجاميع أخرى. لذلك برزت فكرة فصل الدين عن الدولة لضمان حياد الأخيرة كمؤسسة مسؤولة عن الجميع وأمامهم بالتساوي، وبالتالي حفاظها على المعنى الحقيقي لمبدأ المساواة الكاملة بين مواطنيها، بمعنى رفض الدول أن تتحرك أو تتخذ قرارات على أساس نوازع دينية، أياً كانت. على هذا الأساس، يكون حيز الدين هو المجتمع، وليس الدولة، حيث يستطيع المواطنون، أفراداً أو جماعاتٍ، ممارسة معتقداتهم الدينية في الحيز العام، خارج مؤسسات الدولة وأطرها، ما دامت هذه الممارسة لا تضر بالمصالح المشروعة للمواطنين الآخرين. تكون مهمة الدولة هنا ذات شقين وترتبط بالموازنة بين المصالح المتضاربة لمواطنيها في هذا السياق. يتعلق الشق الأول بحماية الدولة لحق المواطنين بممارسة معتقداتهم الدينية المختلفة من دون تبنيها فيما يتعلق الشق الثاني بحماية موازية لحق المواطنين الآخرين من التعرض لأي أذى أو ضرر مادي محتمل قد تتسبب بها هذه الممارسة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق